أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
212
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقوله : قُلْ فَلِلَّهِ . بين « قُلْ » وبين « فَلِلَّهِ » شيء محذوف ، فقدره الزمخشري شرطا ، جوابه : « فَلِلَّهِ » ، قال : فإن كان الأمر كما زعمتم من كونكم على مشيئة اللّه ، فللّه الحجة » . وقدّره غيره جملة اسمية ، والتقدير : « قل أنتم لا حجة لكم على ما ادعيتم فللّه الحجة البالغة عليكم » . قوله : قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ . « هَلُمَّ » هنا : اسم فعل ، بمعنى : أحضروا ، و « شُهَداءَكُمُ » مفعول به ، فإنّ اسم الفعل يعمل عمل مسماه من تعد ولزوم . واعلم أن « هَلُمَّ » فيها لغتان : لغة الحجازيين ، ولغة التميميين ، فأمّا لغة الحجاز فإنها فيها بصيغة واحدة ، سواء أسندت لمفرد أم مثنى أم مجموع ، مذكر أم مؤنث ، نحو : « هلمّ يا زيد ، يا زيدان ، يا زيدون - يا هند ، يا هندان ، يا هندات » ، وهي على هذه اللغة عند النحاة اسم فعل لعدم تغيرها ، والتزمت العرب فتح الميم على هذه اللغة ، وهي حركة بناء ، بنيت على الفتح تخفيفا . وأما لغة تميم - وقد نسبها الليث إلى بني سعد - فتلحقها الضمائر ، كما تلحق سائر الأفعال ، فيقال : هلمّا ، هلمّوا ، هلمّي ، هلممن . وقال الفراء : « يقال : هلمّين يا نسوة » . وهي على هذه اللغة فعل صريح ، لا يتصرف ، هذا قول الجمهور ، وقد خالف بعضهم في فعليتها على هذه اللغة ، وليس بشيء . والتزمت العرب أيضا فيها على لغة تميم : فتح الميم ، إذا كانت مسندة لضمير الواحد المذكر ، ولم يجيزوا فيها ما أجازوا في : « ردّ ، وسدّ » من الضم والكسر . واختلف النحويون فيها : هل هي بسيطة أم مركبة ؟ ثم القائلون بتركيبها اختلفوا فيما ركبت منه . فجمهور البصريين على أنها مركبة من « ها » التي للتنبيه ، ومن « المم » أمرا من : « لمّ ، يلمّ » ، فلما ركبتا حذفت ألف « ها » ، لكثرة الاستعمال ، وسقطت همزة الوصل ، للاستغناء عنها بحركة الميم المنقولة إليها ، لأجل الإدغام ، وأدغمت الميم في الميم ، وبنيت على الفتح . وقيل : بل نقلت حركة الميم للام ، فسقطت الهمزة للاستغناء عنها ، فلما جيء ب « ها » التي للتنبيه التقى ساكنان : ألف « ها » ، واللام من « لمّ » ، لأنها ساكنة تقديرا ، ولم يعتدوا بهذه الحركة ، لأن حركة النقل عارضة ، فحذفت ألف « ها » ، لالتقاء الساكنين تقديرا . وقيل : بل حذفت ألف « ها » أولا ، لالتقاء الساكنين ، وذلك أنه لما جيء بها مع « المم » سقطت همزة الوصل في الدرج ، فالتقى ساكنان ، ألف « ها » ولام « المم » ، فحذفت ألف « ها » فبقي « هلمم » فنقلت حركة الميم إلى اللام وأدغمت . وذهب بعضهم إلى أنها مركبة من « ها » التنبيه أيضا ، ومن « لمّ » أمرا من : لمّ اللّه شعثه ، أي : جمعه ، والمعنى عليه في « هَلُمَّ » ، لأنه بمعنى : اجمع نفسك إلينا ، فحذفت ألف « ها » لكثرة الاستعمال ، وهذا سهل جدا ، إذ ليس فيه إلّا عمل واحد ، وهو حذف ألف « ها » ، وهذا مذهب الخليل وسيبويه « 1 » . وذهب الفراء إلى أنها مركبة من « هل » التي للزجر ، ومن « أمّ » أمرا من « الأم » وهو القصد ، وليس فيه إلا عمل واحد ، وهو نقل حركة الهمزة إلى لام « هل » . وقد ردّ كلّ واحد من هذه المذاهب بما يطول الكتاب بذكره من غير فائدة . و « هَلُمَّ » تكون متعدية بمعنى : « أحضر » ، ولازمة بمعنى : « أقبل » ، فمن جعلها متعدية أخذها من « اللّمّ » ، وهو الجمع ، ومن جعلها قاصرة أخذها من « اللّمم » وهو الدنو والقرب .
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 3 / 332 ) .